|
8 نوفمبر 2009 6:53م مقال يوم 6 نوفمبر 2009 كتبه عبدالله كمال فى روزاليوسف اليوميه
لا أحد يمكن أن يعارض الوقوف في وجه الفساد.. ولا يمكن لأي صوت، أياً ما كان، أن يرفض محاربة المناخ المضاد للشفافية والنزاهة.. فهو ضد التنمية.. وضد العدالة.. وأحد أهم معوقات التقدم في مصر.. خاصة أن الفساد قد يكون أصبحت له مؤسسة غير معلنة.. وثيقة العلاقات بين أطرافها.. وتخدم علي مصالحها.. وتحارب بالتأكيد أي إمكانية من أجل تحقيق العدل في الفرص بين المواطنين.
ومن ثم فإن الجهد الذي يبذل في هذا السياق لا بد من الإشادة به.. ولا بد من تعضيده.. خاصة أن وثيقة المواطنة وحقوق الإنسان التي صدرت ضمن أوراق سياسات المؤتمر الأخير لحزب الأغلبية قد احتوت بنداً ينص علي مكافحة الفساد في الجهاز الإداري للدولة.. وهي تسعي إلي نشر ثقافة تحبذ علي مواجهة الفساد وتحاربه.. وتجعل الجهود المبذولة في هذا السياق خاضعة لتشجيع وتعضيد إجراءات من الدولة التي تعاني من هذا السرطان كما يعاني منه المواطن.
ولا شك أن لدي وزارة التنمية الإدارية جهداً حقيقياً في هذا الإطار.. وهو ملموس.. ويحاول أن يطبق المعايير الدولية للنزاهة والشفافية.. لكنه جهد يتمتع بحسن النية في أحيان كثيرة.. وتعوزه الفطنة السياسية.. ويحتاج إلي خبرة أعمق في توظيفه.. فهي في ذات الوقت الذي تقوم فيه بجهدها.. ترسل دون أن تدري معاني توحي بأن الفساد يحظي بنوع من الرضاء الرسمي.. أو أنه مشجع بطريقة ما.. ما يسيء إلي الحكومة التي تنتمي إليها الوزارة نفسها.. وهي ليست بعيدة عن تلك الحكومة أو أي من مؤسساتها التي قد يطالها شرر التصرفات حسنة النية من وزارة التنمية الإدارية.
وفي الأسابيع الماضية، انتبهت وسائل الإعلام وجميع الصحف إلي كتاب أصدرته وزارة التنمية الإدارية عن الفساد في مصر.. تضمن استطلاعاً للرأي أعده أستاذ الاجتماع الدكتور أحمد زايد.. وقد وصل هذا الكتاب بتوجيه مشدد من الوزير الدكتور أحمد درويش إلي جميع وسائل الإعلام.. وفيما يبدو فإن درويش كان يأمل في فتح نقاش موسع حول مضمون الكتاب وما احتواه إلي الدرجة التي دفعته إلي أن يشرف بنفسه علي توزيع الكتاب بين جميع الصحف.
والكتاب - التقرير وصلت منه نسخة إلي مجلس الوزراء.. ويبدو أنه تاه في الأضابير.. بينما الحكومة تنشغل في أمور أخري أكثر أهمية.. ولم يلفت نظر الحكومة أن الكتاب يسيء إليها.. في نفس الوقت الذي يتضمن رسالة إيجابية معناها أن الحكومة لا تتستر علي الفساد.. وكان أن التقط عديد من الصحف معني يقول: إن الأجهزة فاسدة.. والإدارات لا تعرف الشفافية.. دون أن تميز بين سلوك الأفراد.. وبين أن يكون الفساد سياسة تتبع.. وهو ليس كذلك.. وهو بالطبع أمر لا يمكن أن تقبله الحكومة.. وإن عانت من قلة خبرة إحدي وزاراتها التي تعاملت معه.
ومن اللافت للأنظار أن الكتاب أعطي انطباعاً بأنه يوجه اتهامات مباشرة إلي وزارة الداخلية.. وأن الحكومة تدين الحكومة.. في حين أن وزارة الداخلية هي أحد أهم الجهات التي تواجه الفساد.. وتحاربه عن طريق أدواتها المختلفة.. ومنها بالطبع جهات الأمن الاقتصادي ومباحث الأموال العامة وأمن الدولة.
والأهم أنه لا ينبغي علي الإطلاق أن نسيء إلي صورة رجال الأمن الذين يحافظون علي استقرار البلد.. ويموت منهم أفراد بين يوم وآخر.. خلال معاركهم ضد الجريمة المتنوعة.. سواء كانت مخدرات أو إرهاباً أو جريمة منظمة أو فساداً.. الشهداء يتساقطون هنا وهناك.. والوقائع ليست بعيدة.. تُري ماذا يكون انطباع رجال الأمن وكيف تكون روحهم المعنوية وهم تصورهم كتب صادرة عن إحدي وزارات الحكومة علي أنهم فاسدون بالإجمال.
إن المجتمع فيه من هذا وذاك.. والمؤسسات فيها من هذا المجتمع.. وتنعكس عليها تكويناته.. أي فيها من هذا وذاك.. ولاشك أن وزارة الداخلية تحاسب من ينبغي أن يقع تحت طائلة القانون.. سواء كان يلاحقه اتهام يخص انتهاك حقوق الإنسان.. أو ينطوي تحت بند الفساد.. وهذا نسمع عنه كل يوم.. لكن استجابة بعض جهات الحكومة للمعايير الدولية وضغوط منظمات محددة.. بطريقة غير منضبطة وربما حسنة النية.. أو هكذا نفترض.. هذه الاستجابات لابد أن تكون متيقظة لما تفعل.. وهي تسيء إلي نفسها قبل أن تسيء إلي غيرها.
إن علينا أن نحارب الفساد.. لكن ليس علينا ونحن نفعل ذلك أن نتهم أنفسنا جميعًا بالفساد.. هذا فقط لا يسيء إلي الروح المعنوية للعاملين المخلصين في كثير من القطاعات.. ولكنه أيضاً يشوه مناخ الاستثمار والعمل الإداري.. ويرسي مناخاً يقول: إن الفساد لا فكاك منه.. فتكون الحرب عليه بلا قيمة أو تأثير.
إن رجال الشرطة يبذلون جهداً مخلصاً في حماية هذا البلد.. ليل نهار.. وبحيث يساعدون علي توفير المناخ الذي يجعل وزير التنمية الإدارية مطمئناً.. ومؤلف التقرير كذلك.. والصحف التي تعاملت معه.. ومنها «روزاليوسف».. ومن حقهم علينا أن نشد علي أيديهم وأن نساندهم.. وليس أن نوجه الاتهامات المطلقة إليهم.. فنكون كمن أعطي الجريمة المنظمة سلاحاً لكي تصوبه نحو صدورهم.
بهذه الطريقة أدلي برأيي فيما نوقش خلال الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء.. يوم الأربعاء.
|