|
19 يوليو 2009 10:59ص
مقال عبدالله كمال المنشور فى روزاليوسف (المجله) بتاريخ 18 يوليو 2009
عدة أسباب تدفعني إلي تناول هذا الموضوع. أولا: السبب الزمني.. فذكري ثورة يوليو رقم «57» تحل بعد أيام.
وثانيا: انعقاد مؤتمر حركة عدم الانحياز قبل أيام في شرم الشيخ.. الحركة من نتاج الجهد المصري في عهد يوليو (الأول).. وشرم الشيخ ثمرة يانعة لعهد يوليو (الثالث).. تغيرت الحركة بتغير العالم.. وسوف تبقي المدينة منارة مصرية جديدة.. رغم كل تغيير.
والسبب الثالث: هو حديث الشرعية والثورة، الذي يتكرر من حين إلي آخر مع مرور ذكري الثورة المجيدة.
والسبب الرابع: هو نتاج السبب الثالث.. ذلك أن حديث الشرعية غالبا ما يتعمد فيه البعض كثيرا من الخلط والاجتراء علي الحقائق.. وتشويه الأسس وتلبيس القبعات كما الحواة.
والسبب الخامس: هو أن مصر لم تزل تعاني من سياسات أنتجها عهد يوليو (الأول).. سياسات ليس لها علاقة بأهداف ثورة يوليو.. فالثورة تختلف عن العهد.
والسادس: هو إيمان البعض بأن الشرعية الثورية يمكن أن تمتد إلي ما بعد قيام الثورة بعقود.. كما في إيران، حيث من يؤمن حتي اللحظة بأن الثورة الإسلامية يجب أن تبقي إلي الأبد.. بعد أن مضي علي اندلاعها 30 عاما.. وهو موضوع يجب أن يناقش.
المبرر والهدف
بصورة أو أخري، يصر البعض علي أن يماهي بين مبررات قيام الثورة.. وأهدافها.. والشرعية التي أنتجتها.. وبرنامج الحكم الذي اتبعته حقبة الرئيس عبدالناصر.. بل و«العقد الاجتماعي» الذي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة.. وعلي أساس هذا التماهي تذوب فوارق لايمكن أن تتلاشي.. وتنبني نتائج لايجوز التسليم بها.. وأهمها ترديد مقولة (أفاقة) تري أن (الحكم الحالي) انقطعت الصلة بينه وبين «شرعية يوليو».
لقد قامت الثورة لأسباب معروفة، أهمها الرغبة (المجتمعية) العارمة في التخلص من سلبيات نظام لم يحقق متطلبات الناس.. وأهم متطلب كان هو التحرر من الاحتلال.. ويليه تحقيق العدالة الاجتماعية.. والتخلص من الإقطاع.. وأيضا من الحياة السياسية المرتبكة.. مختلة القواعد.. وكونها «أي الثورة» قد قامت بفعل فصيل من ضباط مصر.. فإن هذا لاينفي أنها كانت نابعة من رغبة شعبية.
ويمكن القول إن تلبية المتطلب الأول، بأي وسيلة، علي الأقل من وجهة نظري، كان يمكن أن تنفي الحاجة إلي تحرك ثوري يؤدي إلي تحقيق الأهداف الأخري.. بمعني أنه لو كان النظام الملكي قد استطاع أن يحقق التحرر من الاحتلال البريطاني.. لتجددت مبررات وجوده وحصل علي دفعة أقوي كان يمكن أن تبقيه فترة أطول من الزمن.. بدليل أن (الضباط الأحرار) لم يسعوا من البداية إلي تغيير النظام الملكي.. وإنما فقط تغيير الملك فاروق وتولية ولي عهده تحت وصاية.. لكن الثابت تاريخيا أن الملك كان قد تحول إلي لعبة في يد الإنجليز.. ولم يكن قادرا علي أن يعبر عن قيادة حقيقية للبلد.. بغض النظر عن شرعيته وقتها.
ذلك أن الشرعية ليست فقط وثيقة ورقية مكتوبة.. ولكنها تحتاج إلي تفعيل.. وتجسيد علي أرض الواقع.. والملك لم يكن معبرا حتي عن أهداف المجتمع أو الوثائق المكتوبة.. فسقط معنويا قبل أن تخلعه تحركات يوليو عمليا.. وقد كانت المطالبات القائمة حتي لحظة اندلاع الثورة تريد العودة إلي دستور 1923.. درة تاج نضال وتفاعلات المجتمع المصري في العهد الملكي.. مع العلم بأن الدستور الحالي لايقارن في عصريته بما كان عليه دستور 1923.
وبغض النظر عما إذا كان صناع الثورة كانوا يتمنون من اللحظة الأولي إسقاط الملكية أم أن هذا هدف نشأ بعد أن سيطروا علي المقدرات بمضي الوقت، فإن يوليو 1952 قد أنتجت شرعية جديدة مكتوبة.. عدلت فيها بنود العقد بين الدولة وبين الناس.. حيث أصبح منصوصا فيه علي (النظام الجمهوري).. وبذلك انتهي عصر أسرة محمد علي.
الدولة والنظام
هناك فرق بين الدولة ونظام الحكم.. الدولة المصرية قائمة منذ عهد مينا موحد القطرين.. شعب واحد علي أرض موحدة ثابتة الحدود منذ حقب وقرون.. تبدلت خلالها نظم الحكم.. وتغيرت البنود في العقد الاجتماعي بين تلك الدولة وهذا الشعب مرات عديدة.. لكن تبدل البنود لايعني سقوط الدولة.. ومن ثم يمكن أن نفهم لماذا يصطلح المؤرخون علي تحديد فترة الدولة المصرية الحديثة بدءا من عهد محمد علي عام 1805.. والممتدة إلي الآن.. رغم تبدل نظامين.. الثاني منهما هو الذي أنتجته ثورة يوليو وهو (الجمهوري).
والشرعية الجديدة لم تنته بغياب صناعها الأوائل.. الضباط الأحرار أبطال تاريخيون.. الشرعية مرتبطة بنتاج ما قدموا وليس بوجودهم الشخصي.. وليس ببقائهم.. والثورة الفرنسية مثلا لم يبق صناعها علي قيد الحياة.. ولكن الجمهورية التي أسسوها هي التي بقيت.. وقد تطورت وتبدلت ملامحها ولكن قيمها الأساسية كما هي.. وغياب الثوريين من الحياة السياسية لم ينه شرعية الحكم الحالي في فرنسا.
وبالتالي، ومن جانب آخر، فإن سقوط البرنامج السياسي للضباط الأحرار في هزيمة 1967 لم يكن يعني سقوط الدولة ولا سقوط الشرعية التي هم صنعوها (تاريخيا).. لأن النظام الجمهوري باقٍ.. والهزيمة لم تؤد إلي تغييره.. وبهذا المقياس كذلك لابد أن نفرق بين الشرعية الجمهورية.. ومكانة (السياسي) الذي يقود الجمهورية.. أيا ما كان.. حتي لو كان هو الذي قاد تأسيسها التاريخي .
هنا أعود إلي تفرقة طالما حرصت علي التأكيد عليها.. يعود إلي الخلط بين مفرداتها ذلك الخلط بين أمور كثيرة.. والتعامل معها.. فـ (الدولة) كيان ثابت أنتجه الواقع وعبر عنه الفكر السياسي (شعب - أرض - وحكم).. و(النظام) هو مجموعة القواعد القانونية والمؤسسات التي تعبر عن علاقات التفاعل بين القوي المختلفة والمواطنين في الدولة.. و(الحكومة أو الإدارة) هي المنوط بها تطبيق وتنفيذ القواعد.
الدولة ثابتة (إلا إذا كانت توسعية أو متحللة.. تتمدد جغرافيا علي حساب شعوب أخري وفي أراضي غيرها.. أو تتقلص بفعل التفكك أو الاحتلال).. والنظام له صفتان.. الثبات والتطور.. حسب رغبة الشعب وأهدافه ووفقا لاستخدامه لآلياته في إنتاج التطوير.. والحكومة متغيرة وفقا لقواعد النظام الثابتة.. أو المتطورة.
وحين جاءت يوليو فإنها غيرت النظام برمته.. الثورات هي التي تحدث هذا التغيير القسري الشامل في لحظة تاريخية بعينها.. وحدوث التغيير لايعني استمرار الثورة.. بل يمكن القول إن الثورات تنتهي بمجرد حدوثها.. وإن كانت التي امتدت هي نتائجها وآثارها.. وأما الشرعية الثورية فهي الآلية التي تعطي الحق المؤقت وبمساندة الناس لمن قام بالثورة في أن يقوم بإجراء التغيير بدون اللجوء للآليات القانونية المعتادة.. إن كانت ديمقراطية أو غير ذلك.
الشرعية الثورية
بعد زمن الفعل الثوري، يعني إصرار الثوار علي استعمال تعبير الشرعية الثورية أننا بصدد نوع من الاستمراء من الثوار علي تجاوز القواعد في إدارة شئون الدولة.. ليس لهم حق فيه.. ومن ثم عرفت كثير من ثورات العالم مراحل تالية من الفوران الذي يخص الحكومات وليس بسبب كونه يخص الشعوب.. فالشعوب تميل إلي الاستقرار.. ويبرر الثوار عادة عدم وجود الاستقرار واستمرار هذا الفوران - غير الضروري تاريخيا - بغطاء الشرعية الثورية ومواجهة أعداء الثورة.. ومن ثم تفسير الانفلات السياسي والتمرد غير القانوني المستمر علي قواعد التفاعل المستقر.
ولذا فإنني أفرق مابين البرنامج الذي تعلنه الثورة.. أي ثورة.. ويفترض فيه أن يتحقق بفعل الدفقة الثورية في أسرع وقت.. وبين برنامج «السياسي» الذي سوف يحكم بعد تحقيق أهداف الثورة.. فهو «هذا السياسي» قد يتعمد الخلط مابين برنامجه الذي يحكم به وبين برنامج وأهداف الثورة لكي يعطي دفعة أكبر لنفسه ولطموحاته وبرنامجه.
وصول الشعب إلي نقطة الاستقرار الأولي بعد الثورة يعني عمليا أن الثورة في حد ذاتها قد انتهت تاريخيا.. وإن امتدت آثارها.. وآثار نتائج ما قد بدأته.. الشعوب في كل الأحول تثور لفترة وجيزة.. ولا أريد أن أقول لومضة وقتية.. ثم تهدأ.. وكون أن بعض الحكام يعلنون أن الثورة باقية فإن هذا لايعني أنها قائمة.
وهكذا فإن تغيير نظام الشاه في إيران وإعلان الجمهورية الإسلامية يعني انتهاء الفعل الثوري الشعبي بمجرد تأسيس تلك الجمهورية.. التغييرات التي تلت ذلك استفادت من تلك الدفقة الثورية.. لكنها لا تعني أن الثورة مستمرة.. حتي لو قال الملالي أنها لم تزل قائمة.. إذ لايوجد فعل ثوري يستمر 30 عاما.
وحين ترك الملك الحكم.. ثم تغير النظام الملكي إلي الجمهوري في مصر.. انتهي الزمن الثوري.. ما بعد ذلك هو نتائج.. حتي لو لم تكن مجموعة ضباط يوليو قد أقرت بذلك. وحين حكم الرئيس عبدالناصر.. ومضي ينفذ برنامجه فإن أفكاره ورؤاه كانت له ولمن معه.. وليس لثورة الشعب.. حتي لو كان برنامجه نابعا من منطلقات الثورة واستند إلي دفقتها التاريخية الأولي.. لقد كان عبدالناصر وقتها زعيما تاريخيا للثورة.. ولكنه عمليا وشرعيا رئيس للجمهورية.
الرئيس والثوري الرئيس، وقتها، احتاج أن يعطي نفسه غطاءً أعرض ودفعة أكبر، تجعله قادرا علي أن يتجاوز المسئولية والمحاسبة الشعبية، فأصبغ صفة وخصائص الثوري علي مواصفات الرئيس.. وبالتالي فإن الذي سقط في 1967 هو الرئيس وبرنامجه.. وليس الثورة.. والذي هُزم هو الرئيس وقادته.. لكن الجيش نفسه باعتباره مؤسسة مصرية عريقة، نشأت بنشوء الدولة، بقي.. واستعاد عافيته حين تبدلت قيادته. الجيش المصري لم ينشأ في 1952.. قادة الجيش الذين صنعوا الثورة هم الذين هُزموا في حرب 1948 وإن كانت الثورة قد أعطتهم دفعة تاريخية كبيرة.. وقد حصل الجيش بعد ذلك علي دفعات هائلة، أكبر مما ناله من ثورة يوليو.. بل أصبح أكثر عصرية وتنظيما واحترافا.. ولم يكن ذلك نابعا من ثورة وإنما من قدرة وفعالية النظام الجمهوري الحر..وفي ذات الوقت فإن الجيش لم يولد من عدم في 1973.. وإن كان هذا النصر العظيم قد أعطاه مجدا لاينسي.. غسل به عار الهزيمة التي ألحقت به في 1967.
وهكذا فإن التأميم - علي سبيل المثال - لم يكن بندا في برنامج الثورة.. ولكنه بند تاريخي في برنامج رئيس.. له طبيعة جريئة ترقي به إلي أن نضفي عليه صفة الثورية.. ولكنه ليس ثورة.. وتصدير الدعوة إلي التحرر إقليميا وعالميا لم يكن في بنود أهداف الثورة.. ولكنها سياسة اتبعها الرئيس عبدالناصر لاكتساب الأنصار خارجيا.. في مواجهة تحديات متنوعة.. وتأسيس حركة عدم الانحياز بصورتها السابقة لم تكن بين عناصر برنامج الثورة.. ولكنها تحرك دبلوماسي يتسق مع ظروف العصر ومحاولة الحشد الدولي في مواجهة معادلات النظام العالمي وقتها.. وتبني نهج العروبة القومي والوحدوية لم يكن كذلك من بين أهداف الثورة.. ولكنه برنامج سياسي للرئيس يتوازي مع توجهات تصدير التحرر.. وبناء العمق الإقليمي للدولة.
أقول هذا وأنا أدرك أن هذه السياسة العربية كان لها الفضل الأول في تأسيس عناصر نظرية الأمن القومي المصري الحديثة.. كون أن تلك النظرية نتجت عن سياسة رئيس لا ينفي عنها شرعيتها وصلاحيتها.. ولكنها لم تكن نتاج الشرعية الثورية.. وإن وصفت بذلك.. وفيما بعد فإن تلك النظرية تطورت بفعل المتغيرات العالمية.. تطورت بالإضافة وليس بالخصم.
الشرعية الدستورية
خلاصة القول في هذه النقطة أنني أفرق بين الثورة وشرعية ما حققته.. وبين برنامج الرئيس عبدالناصر.. بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية. الشرعية الدستورية هي التي نتجت بعد ميلاد النظام الجمهوري وبناء علي وثائق الدستور.. التي طرأت عليها تعديلات متنوعة.. لم تكن تحظي بالترويج الكافي في الخمسينيات والستينيات لأن صوت المتحدثين باسم الشرعية الثورية كان أعلي.. وقد ترسخت تلك الشرعية الدستورية بمضي الوقت.. ومع ابتعاد المساحة الزمنية التي تفصلنا عن تاريخ الفعل الثوري في عام 1952.. وصولا إلي دستور 1971.. ثم التعديلات الدستورية في 2005 و2007.
التعديلات المتلاحقة، خصوصا الأخيرين، علي الدستور، أحدثت تغييرا جوهريا في شكل وبنية النظام، لكن قاعدته الأساسية التي أنتجتها يوليو ثابتة.. وهي أن (نظام الدولة رئاسي جمهوري).. وهذه هي لبنة الشرعية الأساسية.. الممتدة من 1952.. بغض النظر عمَّا إذا كان توالي الحقب يقودنا من مرحلة إلي أخري إلي (إدارة حكم) أقل عسكرية وأكثر مدنية.. سواء كان أبرز العاملين بالسياسة في الحياة العامة هم من الضباط الأحرار.. أو من التكنوقراط.. أو من مؤسسة الجامعة.. أو مؤسسة الأعمال.. أو المؤسسة الحزبية.
ويميل البعض إلي أن يقول إن الرئيس عبدالناصر كان يعتمد في حكمه علي شرعية يوليو.. وأن الرئيس السادات اعتمد في حكمه علي شرعية أكتوبر.. وهجر شرعية يوليو.. وهذا كلام قد يراد به باطل وليس فيه حق من الأصل.. السادات لم يتخل عن شرعية يوليو.. لأنه لم يبدل النظام الجمهوري.. ولو قبلنا هذا المعني - وهو غير صحيح - فإن الرئيس السادات يكون قد حكم ثلاث سنوات بدون شرعية حتي حقق النصر في 1973.. وأيضا يكون الرئيس عبدالناصر قد حكم ثلاث سنوات بدون شرعية بعد 1967 بعد أن مني بالهزيمة.
الشرعية لم تنقطع في الحالتين.. كما أن الرئيس مبارك هو رئيس شرعي رغم أنه لم يكن من ضباط يوليو.. الشرعية لا تبنيها الصفة السابقة علي تولي منصب الرئيس.. الشرعية تنتجها عملية الانتقال الدستوري.. عبر آليات الدستور.. وقواعد النظام.. وللقواعد والآليات شروط يجب توافرها فيمن يحكم يتصدي لعبور الآليات واختبار قواعد الدستور.
المكانة والشرعية الرئيس محمد نجيب لم يكن أكثر شرعية لأنه كان بدرجة لواء.. كما أن الرئيس عبدالناصر لم يكن أقل شرعية منه لأنه كان مجرد بكباشي.. والرئيس السادات لم يكن منقوص الشرعية لأنه لم يكن عسكريا محترفا بالمعني المفهوم أو ينتمي إلي سلاح الإشارة.. والرئيس مبارك لم تنتج شرعيته من كونه بطل حرب أكتوبر.. باعتباره صنع وقاد الضربة الجوية وحقق النصر قبل بقية الأسلحة.. وإنما لأنه انتخب.. وقد انتخب علي أساس مجمع صفاته.. وأبرزها- وأهمها وقتها بخلاف ما بناه فيما بعد- أنه بطل حرب عظيم.. وبطولته صنعت مكانته التاريخية الإجمالية وليس شرعيته الدستورية.
المكانة تصنعها الأفعال، والشرعية يصنعها الإجراء القانوني، الرئيس عبدالناصر صنع مكانته من عدة أفعال تاريخية.. تختلف أو تتفق معها جميعا أو كلها.. ومنها: التأميم، وأبرزه تأميم قناة السويس - الإصلاح الزراعي - مجانية التعليم - وبناء الجيش.. هذه المكانة لا ينفيها كونه خاض عدة حروب وخرج منها منهزما.. فهو لم ينتصر مع رفاقه في 1948، والنصر الذي تحقق في 1956 كان سياسيا في إجماله، وحرب اليمن كلنا نعرف محصلتها، وحرب 1967 هزيمه لاتنكر. الرئيس السادات صنع مكانته بخمسة أفعال تاريخية رئيسية: نصر أكتوبر، والتحول الاقتصادي إلي الانفتاح في 1974، وتأسيسه للتعددية الحزبية، وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل.. فضلاً عن تخليه عن التحالف مع الاتحاد السوفيتي.. وكونه كان شريكا لنظام حكم عبدالناصر وأحد أركانه غير البارزين لاينفي مكانته التي صنعها بنفسه.
الرئيس مبارك، شيد مكانته علي القاعدة الأهم التي لم يسبقه إليها حاكم في الدولة المصرية الحديثة منذ عام 1882، وهي تحرير كامل التراب الوطني للدولة من أي احتلال.. كل حكام الأسرة العلوية من عهد الخديو توفيق كانوا حكاما تحت احتلال.. وأرض مصر كانت محتلة في عصر عبدالناصر علي الأقل ست سنوات (سنتين قبل الجلاء - أشهر في 1956 - ثلاث سنوات فيما بعد 1967). وبخلاف ذلك فإن مبارك له مجموعة من الأفعال التاريخية غير المسبوقة.. منها الممتد ومنها الذي عرفته لحظات تاريخية فارقة: الحفاظ علي السلام - بناء النهضة والانتقال بالدولة إلي عصر التحديث وبما في ذلك إعادة تأسيس البنية الأساسية - التغلب علي الإرهاب - بناء القوة الإقليمية المصرية متكاملة العناصر - إعادة مصر إلي المحيط العربي - إسقاط الديون الخارجية التي أثقلت كاهل الدولة من زمن الحروب - الدخول بالرئيس عرفات إلي غزة حيث تأسس الحكم الذاتي الفلسطيني - التعديلات الدستورية التي جعلت الرئيس ينتخب من بين أكثر من مرشح عبر الاقتراع الحر المباشر، وهو أمر لم يحدث منذ عصر مينا موحد القطرين - تنمية الحياة الحزبية والديموقراطية - عدم وقوف الدولة في موقف الخصومة القسرية من أي مختلف سلمي.. واللجوء إلي الوسائل القانونية في كل الأحوال - ترسية دولة المؤسسات.. وهذه الأخيرة بالتحديد لم تكن معروفة في عصري السادات وعبدالناصر.
وهناك بالطبع عناصر أخري في مقومات مكانة كل رئيس.. خصوصًا مبارك.. وبينما يصنع الرؤساء مكانتهم.. كل في عصره.. فإن أيا منهم لم يفقد شرعيته.. وبالتالي لا يمكن حساب الشرعية وفق قياس مدي اقتراب وابتعاد أي رئيس عن البرنامج السياسي لسلفه.. أو عن الأهداف المعلنة لثورة يوليو.. التي كان من بين أهدافها بناء حياة ديموقراطية سليمة.. وهو ما لم يقم به الرئيس عبدالناصر.. ومضي نحوه لبعض الوقت الرئيس السادات.. وثابر عليه الرئيس مبارك.. مع الوضع في الاعتبار أن هناك معارضين يرون الحياة السياسية لم تصل إلي ديموقراطيتها المبتغاة.
البرنامج والشرعية
الشعب حين ساند ثورة يوليو، لم يقل للضباط الأحرار إن نجاح الثورة يقتضي اللجوء إلي تحالف عميق مع الاتحاد السوفيتي.. هذا فعل سياسي.. وليس ثوريا.. ولم يقل لهم إن الثورة لن تحقق أهدافها إلا من خلال نظام الحزب الواحد.. هذا اختيار سياسي.. كما أن السادات لم ينقلب علي الثورة حين لجأ إلي صداقة الولايات المتحدة.. وهو لم ينقلب علي شرعية يوليو حين أطاح بمراكز قوي عصر عبدالناصر.. والرئيس مبارك لم يكن يقصد أن يكون امتدادا لعصر السادات حين بقي بعض رموز عصر الرئيس الراحل في الحياة العامة بعد أن ترك الحكم.. فهم يمارسون دورهم أو انتهوا منه وفق قواعد التفاعل الطبيعي لا القسري.. ولم يكن لجوؤه إلي علاقات متنوعة وواسعة مع جميع دول العالم وبما في ذلك روسيا والولايات المتحدة مناقضا لشرعية الثورة التي كانت في 1952، ولكن تلك كانت طريقته الناجحة في الحفاظ علي مصالح الدولة وتحقيقها.
الحفاظ علي الإطار الجمهوري للدولة يختلف عن البرنامج السياسي المطبق في كل عصر.. ويختلف أيضا مع طبيعة البرنامج الاجتماعي المتبع في كل عهد.. لقد أنهي الرئيس عبدالناصر الإقطاع.. ولكن تطبيق البرنامج الاشتراكي المسمي مصريا وقتها بالناصرية لم يكن له علاقة بأهداف الثورة.. وإذا كان العدل الاجتماعي أحد الأهداف التي سعت إليها الثورة فإنه لو لجأ الرئيس عبدالناصر إلي نظام اقتصادي مختلف يحقق الهدف ماكان أحد قد قال له إن هذا يناقض الأهداف الثورية. لقد اختار طريقا.. وأدي هذا الطريق إلي ترضية قطاعات معينة من الناس.. اتسعت أو ضاقت.. وحتي الآن فإننا ندفع ثمن هذه الترضية الاجتماعية واسعة النطاق.. مما أدي إلي نشوء البطالة المقنعة وجهاز الدولة الإداري المترهل.. وكون أن اختياره قد أدي إلي أن يحظي بمساندة واسعة من قطاعات مستفيدة في المجتمع.. فإن هذا لا ينفي علي الإطلاق أن عدم تمكن الرئيس السادات من تحقيق تحول اجتماعي واسع أنه كان رئيسا بلا مساندة.
وفي العصر الحالي الذي لم يزل يعالج النتائج السلبية لسياسات الترضية في الستينيات، والتخبط والارتباك الاقتصادي في السبعينيات، فإن السعي المتواصل لتنمية الطبقة المتوسطة لا ينفيه كون الدولة تعترف بارتفاع نسبة الفقر إلي 20%.. وإعلانها اتباع برامج للتغلب عليها واستهداف الفقر بأساليب مختلفة.. وكونها - الدولة الحالية - مضت قدما في البداية لصالح تحقيق نمو نوعي أغلبه مدفون في باطن الأرض.. حيث البنية الأساسية.. فإن هذا لا يعني أنها لم تلب احتياجات الشعب.. إن مقارنة صورة المصري الآن.. بما كان عليه قبل 1952.. وحتي بما كان عليه فيما بعدها.. وفي السبعينيات سوف يظهر فروقا جوهرية وتاريخية تعني أن ما تحقق في الثلاثين عاما الماضية كان ثورة صامتة ولكن بدون فعل ثوري.
الأغاني والشرعية
لم يغن أحد لمترو الأنفاق.. رغم أن ما شيد فيه تجاوز عشرات المرات ما جري في السد العالي.. وقد تم التغني للثورة التي كان (يفوت عليها فتخضر) في الستينيات.. في حين أن مساحات الاستصلاح والأراضي الجديدة فاقت في العشرين عاما الماضية عشرات المرات ما حققته سنوات تالية لعام 1952..
وقد كان الإعلام يغني للمغامرات الخارجية.. التي انتهت بهزائم وخسائر وديون.. ولكن أحدا لم ينشد للاستقرار وعدم خوض المغامرات وإبقاء جيش مصر في أرضها يدافع عن حدودها ويحمي شرعيتها الدستورية.. وقد تم تأليف كتب وابتدعت أعمال سينمائية من أجل مشروع مديرية التحرير.. لكن الدعاية الكافية لم تجسد حجم النمو الهائل في عدد المدن الجديدة وشبكة الطرق التي تفوق حصرا أضعافا مضاعفة ما تم في مديرية التحرير بمراحل.
إن الأغاني قد تحقق رواجا سياسيا.. لكنها لا تؤكد المكانة عبر التاريخ.. والأفلام قد تضلل الناس حينا.. ولكن الحقائق هي التي تصنع الواقع وتجسده.. وتجاهل الهزائم وإكسابها ثوب النصر أو صفات النكسة قد يخدع الناس لبعض الوقت.. ولكن النصر والاستقلال هو الذي يبني تحرر الدولة الحقيقي لا المصطنع.. والثورة صنعت الشرعية الدستورية.. ولكن البرامج السياسية لكل رئيس تختلف جوهريا عن تلك الشرعية. وهذا كلام يجب أن يقال في ذكري ثورة يوليو، حيث نشهد العديد من عمليات الخلط المتعمدة في المفاهيم والحقائق اليقينية.؟
|